محمد سعيد رمضان البوطي

374

فقه السيرة ( البوطي )

« السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها ، الآخرة شرّ من الأولى » ، ثم أقبل عليّ فقال : « إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة » ، فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلّد فيها ، ثم الجنة ، قال : « لا واللّه يا أبا مويهبة ، قد اخترت لقاء ربي والجنة » ، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فابتدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجعه الذي قبض فيه « 1 » . وكان أول وجعه صلى اللّه عليه وسلم صداعا شديدا يجده في رأسه ، فقد روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنه صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من البقيع استقبلته وهي تقول : وارأساه ، فقال لها صلى اللّه عليه وسلم : « بل أنا واللّه يا عائشة وارأساه » « 2 » ، ثم ثقل عليه الوجع فكان حمّى شديدة تنتابه ، وكان بدء ذلك : في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة وكانت عائشة ترقيه صلى اللّه عليه وسلم خلال ذلك بمعوذات من القرآن . روى البخاري ومسلم عن عروة أن عائشة رضي اللّه عنها أخبرته أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده ، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه ، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى اللّه عليه وسلم عنه . وشعرت نساؤه صلى اللّه عليه وسلم برغبته في أن يمرّض في بيت عائشة رضي اللّه عنها ، لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها ، فأذن له في ذلك ، فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما . وفي بيت عائشة رضي اللّه عنها اشتد به وجعه ، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه ، فقال : « أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلّي أعهد إلى الناس » - أي أخرج إليهم لأكلمهم - . قالت عائشة رضي اللّه عنها : فأجلسناه في مخضب - ما يشبه الإجّانة يغسل فيها الثياب - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير

--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد ، وأحمد في مسنده وروى نحوه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عائشة وأبي هريرة ، وذلك كله غير الحديث الذي رواه مسلم ومالك في الموطأ في باب الطهارة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا » فقالوا : يا رسول اللّه ألسنا بإخوانك ؟ قال : « بل أنتم أصحابي . . » الحديث ، وربما توهم البعض أن هذا الذي رواه مسلم ومالك ، هو ما رواه الآخرون عند قرب وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، روياه على نحو آخر ، وقد ثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم كان من عادته أن يذهب كل ليلة إلى البقيع يدعو ويستغفر لأهله . ( 2 ) رواه ابن إسحاق وابن سعد ، وروى بنحوه الإمام أحمد في حديث طويل .